نعم، انتصرتِ المحاماة… النقيب الجامعي يقرأ دلالات يوم 6 يوليوز

النقيب عبد الرحيم الجامعي
الرباط: 7 يوليوز 2026

يوم الاثنين السادس من شهر يوليوز 2026، هو بكل وعي مهني، يوم بداية صفحة جديدة من تاريخ سجل المحاماة بالمغرب، فيه حققت انتصارا حقيقيا رغم ما قد يبدو من مغالاة في هذا الاستنتاج…

من جهة أولى، في هذا اليوم صوتت ثلاثة أحزاب من المعارضة ضد مشروع الحكومة المتعلق بقانون بمهنة المحاماة، وهذا في حد ذاته مكسب للمحامين، لأن المحاميات والمحامين استطاعوا فيه أن يؤلفوا و بوحدوا بين أحزاب لا تتقارب وجهات نظرها في قضايا سياسية وتشريعية عند تقديمها أو مناقشتها داخل المؤسسة التشريعية بالسرعة و الوضوح كما حصل بالنسبة لقانون مهنة المحاماة، وهو كذلك انتصار سياسي للمهنة ولأهلها لان تصويت الأحزاب شكل التقاء موضوعيا ليس مع المحامين بل مع الأهداف الكبرى التي يريدون من الحكومة فهمها واستيعابها و التي لم تتملك الشجاعة للتعامل معها من خلال مقترحاتهم ومذكراتهم، و من بينها ما يحقق تعزيز دولة القانون وضمان حقوق المتقاضين والمساواة أمام القانون في الحق في الدفاع، و تحصين جهاز القضاء بقوة قانونية من نساء و رجال الدفاع يتقاسمون معهم معركة إرساء قواعد المحاكمة العادلة بمسؤولية واستقلال وحرية، داخل جهاز مهني مستقل دون وصاية عليه ولا حضانة، فليس هناك قضاء دون محاماة تمارس مهامها في استقلال عن كل جهاز أو سلطة مهما كانت…

من جهة ثانية، وفي هذا اليوم، ارتفعت درجة الالتحام ورص الصف المهني بين المحامين وهيئاتهم، رسخت بينهم وعيا بدرجة الشعور بمخاطر ومقالب “النص الحكومي” بأبعاد أخرى، بعد أن فرضت عليهم الحكومة خياراتها فتجندوا منذ شهر مارس الماضي في وحدة وقناعة، وصفت بكونها انتفاضة مهنية لجمهور المحاميات و المحامين دفاعا عن أسس وقيم المهنة، بلغت مداها عندما أعلنت جمعية الهيئات، و الهيئات ونقباؤها تنظيم اعتصام أمام البرلمان أتى إليه المئات من حملة البذلة السوداء من مختلف المدن يوم الأمس، ومن هنا فهِم الجميع وفهمت السلطة الحكومية والسلطة التشريعية بأن غصب المحامين غصب مشروع، و بأنهم يرفضون العبث السياسي بمهنة المحاماة و بأهلها، و يرفضون أن يغتنم نفر من الانتهازيين وتجار السياسة مواقعهم ونفوذهم، ليجعلوا المهنة مَطية يعبرون فوقها و على كرامتها لتصفية الحسابات بينهم و لبناء مستقبلهم السياسي في زمن الإعداد للانتخابات، و لينقلوا تناقضاتهم و يفجرونها في ساحة المحاماة وضد المحاميات والمحامين، طمعا في استمالة زبناء جدد وتوزيع تزكيات الاستقطاب إلى صفوفهم… فيالها من فضيحة تاريخية سقطت فيها حكومة في آخر ايام حياتها.

ومن جهة ثالثة، وفي هذا اليوم، انتصرت فيه المحاماة بالمغرب، لأنها كسبت تضامنا دوليا واسعا، وتحركت من أجلها مؤسسات دولية، و تنظيمات مهنية كبرى، لأنها تعرف كلها مكانة و ادوار ومواقف المحاماة والمحامين بالمغرب، و ليس هناك من دليل أكبر من تدخل المقررة الخاصة المعنية لاستقلال القضاء و المحاماة، ومن تضامن اتحاد المحامين العرب UAA، والاتحاد الدولي المحامين UIA، والمنظمة الدولية للهيئات CIB، تضاف إلى عشرات الهيئات المغربية ومن الفاعلين ممن التحقوا بقافلة المناصرين.

هذا ما أقرأه في نهاية مسار المشروع المستفز والمستنفر، بعد التصويت عليه يوم الاثنين السادس يوليوز بالبرلمان،

وهذه، رغم قفل المناقشة البرلمانية، ليست هي النهاية أمام الهيئات وأمام المحامين، لأن أمامنا مهام المستقبل.

فلابد أن نفتح نقاشا بيننا وبين هيئاتنا ومع جمعيتنا، ومع مُجتمعنا ومع حلفائنا ومع مناصرنا ومع دعمنا ومن حملوا معاناتنا معنا، و لابد لنا أن نستوعب الدروس من معاركنا و من تجاربنا، لابد أن نرسم لمستقبلنا ملامحه وآفاقه للحفاظ على مكاسب حققها نضالنا المشترك، فالمحاماة استمرار وبناء للآمال و خَزان للاحلام، و المحاماة وُلدت مع معارك متوالية من أجل قضايا الإنسانية، ومن هنا فمعاركنا بالمغرب من أجل مستقبل المحاماة هي جزء من هذا التاريخ المشرف أطلقته الأجيال وستواصل اجيال بإخلاص و وفاء.

و لابد أن نجد الأجوبة للرقم 85 وهو عدد البرلمانيين ممن صوتوا على النص أمس الاثنين بمجلس النواب، ليس للحقد عليهم أو لمعاداتهم، ابدا، فالحقد سلوك غريب عن المحامين لا يؤمنون به، و العداوة مرض يصيب ضعاف الإرادة، و المهنة يحملها المحامون بإرادتهم الصلبة، ولابد أن يفهم البرلمانيون والبرلمانيات ممن كان رأيهم مخالفا لرؤانا، بأن التاريخ سيعطيهم الجواب بأنهم لم يكونوا على صواب و بأن الكواليس البرلمانية ترسخ الاستبداد وتصنع زيف المواقف، ولأن أصواتهم المناصرة لمشروع الحكومة لن تَمسح من ذاكرة الرأي العام الوطني والدولي مشروعية تصورات المحامين، وما قدموه من أفكار و من مقترحات لبناء قانون مهني منسجم مع مستقبل العدالة، و لحشد الإرادات لتصبح مكانة وقوة المهن القانونية وعلى رأسها مهنة المحامين هي الجاذبية المؤسساتية التي تشجع و تضمن الثقة في القضاء و تقوي من استقرار المعاملات، و أن كل محاولة للتشكيك في صلاحياتها أو تهجين أدوارها ستكون عواقبه وخيمة على حاضر ومستقبل المغرب كله.

ولابد أن نرى في العدد 35 من أصوات أحزاب المعارضة الثلاثة وهي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية التي قالت لا، مكسبا سياسيا للمهنة وعلى الأقل كونها أفشل تحقيق مناورة الإجماع حول النص، و قوة دعم ودفع لإرادة و لإصرار المحامين وتعزيزا لمؤسسات مدنية ومهنية تلعب أدوارها الدستورية في زمن الاحتكار و المنافسة و النفوذ…

وفي ختام الكلام، أعتقد أنه حان الوقت اليوم، لترسم جمعية هيئات المحامين و معها الهيئات و كافة المحامين، مسارات جديدة لمهنة المستقبل و لقضاء المستقبل يحمي المجتمع وكرامته، فالجمعية قادرة على رفع النقاش القانوني في القضايا المصيرية، وقادرة على النهوض بالسيادة القانونية كمعيار للمساواة و لمنع التمييز بكل أشكاله وللقضاء على الفساد و المحسوبية، وقادرة أن تتصدى للممارسات السياسية الانتهازية و المنحرفة، و قادرة على التصدي للمخاطر التي تهدد المجتمع في حرياته وفي استقراره.

فلنتعاقد من أجل إنتاج وتنظيم قوة مهنية للمستقبل ومعها وزنها و مكاسبها و تاريخها و دروس تجاربها، بعزم وبإصرار، لأن مجتمعنا مرهون بمدى وعي كل القوى المجتمعية، وكما يقول المفكر بيير برديو PIERRE BOURDIEU. إن مستقبل المجتمعات ليس مسارا خطيا مرسوما، بل هو محصلة دائمة للصراع و التنافس المستمر داخل مجالات متعددة….

النقيب عبد الرحيم الجامعي

Exit mobile version